ابتسام تريسي تكتب: أبو ضحكة جنان

 ابتسام تريسي تكتب: أبو ضحكة جنان



زايو 24.كوم
ابتسام تريسي*
"اضحك تضحك الدنيا معك، ابكِ تبكي وحدك"
زاوية ثابتة كانت في مجلة العربي تابعتها منذ كنت صغيرة حتّى الوقت الذي توقفت فيه عن شراء المجلة. وحتّى زمن طويل يعدّ بالعقود، والمقولة تترسخ في نفسي حين كنت أقف مذهولة أمام الناس الذين يمتلكون حسّ الفكاهة وإمكانية الضحك حتّى في المواقف الصعبة والمحرجة.

العامة من الناس لا يحبذون الضحك كثيراً وخاصة في المجتمعات المنغلقة، بالطبع أقصد المدن لا الريف، فهم يعتبرون الضحك وخاصة للنساء والفتيات معبراً عن قلة الأدب، حتى وإن كان الضحك بسبب! وقد جاء في كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني أنّ القاضي عيّاض قال: "التحدث بمُلح الأخبار، وطُرف الحكايات تسلية للنفس، وجلاء للقلب".

والضحك كما يعرّفه علماء النفس، رد فعل فسيولوجي نتيجة للمرور بخبرة ما، سماع نكتة أو دعابة. وهو شكل من أشكال التعبير "الخارجي" عن المرح والفرح.

والضحك أيضاً يأتي من شعورنا بأنّنا طبقة أعلى ممن نضحك عليهم أو منهم. فالشخص الذي يملك حسّ السخرية الدائم من الأشياء يتجاهل ذاته! والضحك يمنحه فرصة ذهبية لإطلاق كلّ ما بداخله من مرارة، والتغلب على الأزمات التي يمر بها.

وقد ارتبط الضحك بذوي القامة الممتلئة فالمعروف -عند العامة أيضاً- أنّ "السمان" هم أقرب للمرح والضحك من أصحاب القامة النحيلة؛ ولكن لكلّ قاعدة شواذ وشخصيتنا التي سنتحدث عنها الآن إحدى "الشواذ" الذين شذوا عن القاعدة المتعارف عليها اجتماعياً.

ليس المقصود بالتأكيد الفنان الكوميدي إسماعيل ياسين الذي اشتهر بضحكته المميزة في القرن الماضي، والذي قام بتجسيد حياته أشرف عبد الباقي بمسلسل بهذا العنوان.. وليست فاتن حمامة التي غنّى لها فريد الأطرش "يا أبو ضحكة جنان" في فيلم "حكاية العمر كلّه".

كلّ هذه المقدمة عن الضحك؛ لأنّ سؤالاً أقلقني منذ أيام عن أشهر ضحكة منذ خمس سنوات حتّى الآن .. ضحكة لا تترك في نفس مشاهدها إحساساً بالفرح ولا تسبب عدوى الضحك، ولا التعاطف، ولا الحبّ. إنّها ضحكة نسفت كلّ نظريات أرسطو وأفلاطون ومن جاء بعدهما من علماء النفس الذين فسّروا أسباب الضحك، لكن نستطيع إدراجها في خانة الضحك "المرضي" الذي أشار علماء النفس إلى كونه ضحك غير طبيعي يرتبط بتلف في أنسجة المخ، أو بعض الأمراض الأخرى كالحوَل، أو بعض الاضطرابات النفسية مثل العته أو الهستيريا.

لا أشكّ أنّكم عرفتم صاحب الضحكة المحيرة، الضحكة التي ينطبق عليها وصف "جنان" والمقصود به هنا "العته والجنون" وهو مرتبط بصاحب الضحكة وليس توصيفاً للضحكة نفسها.

في العام الأوّل من الثورة ظهر "أبو ضحكة جنان" في مجلس الشعب السوري ليلقي خطاباً "تاريخياً" لم يكتسب تاريخيته من أهمية ما جاء فيه من حديث، فالمعروف عن صاحبه أنّ هوايته الأولى "صف الحكي" وجمع المترادفات فهو يتكلم ساعة ويلف ويدور في جمل مفككة حول فكرة يمكن اختصارها بجملة. وقد جاء في خطاب له شرح مفصل للرمادية وأنواعها، وافترض أنّ هناك نوعين منها، الرمادية الوطنية، والرمادية السياسية وطال الشرح وختمه بضحكة تدلّ على أنّه حقّق نصراً بشرحه معلومة لا يعرفها الأغبياء الذين ينصتون لخطابه!

في خطابه التاريخي الذي انتظره السوريون في بداية الثورة السورية متوقعين أنّه سيعتذر عمّا قام به محافظ درعا ويحل المشكلة ويخمد نار الفتنة، ظهر أحد أعضاء مجلس الشعب ليقول له: "أنت قليل عليك الوطن العربي، لازم تحكم العالم يا سيادة الرئيس".

فصفّق الحضور وضحك الرئيس وتوتة توتة خلصت الحدوتة، ولم يعتذر، لكنّ السوريين المتفائلين توقعوا أن يقول شيئاً في خطابه الثاني، ولم يقل، وفي الثالث تبدت الكارثة واضحة كعين الشمس. وفي ختام خطابه بعد عام من الثورة، وقف أعضاء مجلس الشعب يهتفون بالروح بالدم، وكان الناس وقتها يتندرون بنكتة المؤامرة الكونية على حكمه التي صرّح بها في بداية الثورة.. فقال يومها:
"أعود وأذكّر أنّ ليس كلّ ما يحصل مؤامرة" وأتبعها بضحكته البلهاء الشهيرة
وإذا هتفتم بالروح بالدم نفديك يا بشار، فالسليم أنّ الرئيس بشار هو الذي يفتدي وطنه وشعبه". فصاح "المؤتمرون المتآمرون" الله سوريا بشار وبس. فقال ضاحكاً:
"الله سوريا شعبي وبس، وهو الذي "أي أنا" (وضحك) سيبقى دائماً الابن البار بشعبه...... والسلام عليكم (وضحك)..
المهم أنّ خطابه التاريخي ذاك اكتسب شهرته من "الضحكة" التي طوّرها السوريون، فقلّد شاب صوته وحمّل على اليوتيوب خطابات تتخلّلها تلك الضحكة التي تصيب سامعها بالجنون فيغرق بالضحك!
إنّها الضحكة التي أبكت ملايين السوريين وشردتهم، الضحكة التي قتلت مئات الآلاف، الضحكة التي مات بسببها أكثر من خمسين ألف معتقل تحت التعذيب، الضحكة التي دمرت مدناً واجتذبت حثالات الأرض من جهاتها الأربع لتمارس القتل بحق الشّعب السّوري، ضحكة معتوه وجد نفسه رئيساً، فلم يستوعب الأمر.
أعرفتم الضحكة القاتلة؟ تلك هي ضحكة النحيف الطويل الذي نسف النظرية الأولى، وسينسف النظرية الثانية حين يضحك في النهاية وحيداً.
المصدر : الجزيرة مباشرة



نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار